عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

175

اللباب في علوم الكتاب

--> - ومنه نسخ الحبس في البيوت الثابت بقوله تعالى : « وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا » بإقامة الحد وهو : إما الجلد ، أو الرجم . . روى البيهقي في سننه ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : « كانت المرأة إذا زنت ، حبست في البيت حتى تموت ، فأنزل اللّه بعد ذلك « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ » ، فإن كانا محصنين ، رجما ، فهذا السبيل الذي جعل لها » . وقد روي هذا بطرق كثيرة ، ولا شك أن الحبس في البيوت أهون من الرجم الذي يموت فيه بيقين ، والجلد الذي قلّما يبرأ منه الإنسان ؛ هذا هو القول الصحيح المعول عليه . وأما ما ذهب إليه العلامة البيضاوي : من عدم نسخ هذه الآية ؛ لاحتمال أن يكون المراد من قوله : « فَأَمْسِكُوهُنَّ » : التوصية بإمساكهن في البيوت بعد الجلد ، حتى لا تكون عرضة للرّجال ، فيجري عليهن ما جرى بسبب الخروج ، ولم يذكر الحد ؛ اكتفاء بقوله : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي » الخ - فمجرد احتمال ، وهو لا يعارض قول الصحابي ؛ لأنه حجّة في أخبار النسخ . ومنه نسخ التخيير بين الصوم والفدية المدلول عليه بقوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » بتخيير الصوم المدلول عليه بقوله تعالى : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » ؛ روى الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، والدارمي ، والحاكم ، والبيهقي عن سلمة بن الأكوع قال : لما نزلت هذه الآية « عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » كان من شاء منّا ، صام ، ومن شاء ، يفطر ويفتدي ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » . ومنه نسخ إباحة الخمر ، ونكاح المتعة ، ولحوم الحمر الأهلية بتحريمها . ومنه نسخ كون الحج مندوبا ؛ بكونه فرضا ، وإباحة تأخير الصلاة عند الخوف ؛ بوجوب أدائها في أثناء القتال ، وكل ذلك نسخ بالأشق والأثقل ، وتقرير الدليل على هيئة قياس منطقي هكذا : لو لم يجز نسخ الحكم بما هو أشق أو أثقل ، ما وقع ، والثاني وهو عدم الوقوع باطل ، فبطل المقدم وهو عدم الجواز ؛ فثبت النقيض وهو الجواز المطلوب ، أما الملازمة فبديهية ؛ لأن الوقوع فرع الجواز ، وأما الاستثنائية فدليلها ما تقدم من قولنا : ما ثبت . ومن قالوا بالمنع قالوا : « أولا » النقل من الأخف إلى الأثقل أبعد من المصلحة ، وكل ما كان أبعد من المصلحة لا يجوز التكليف به ؛ فضلا عن وقوعه ، فالنقل من الأخف إلى الأثقل لا يجوز التكليف به ؛ فضلا عن وقوعه ، دليل الصغرى : أن تكليف المكلف بما هو أشق ليس من مصلحته ، والكبرى ضرورية . ويردّ على هذا الدليل النقض الإجمالي ؛ فإنه يلزمه في أصل التكليف ؛ فإنه نقل من البراءة الأصلية إلى ما هو أثقل ، فينبغي ألّا يجوز ، لكنه جائز اتفاقا . . ويدفع هذا النقض بأن البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا ، حتى يكون التكليف نقلا منها ، والكلام فيه فإن قلت : ليس في النقل شناعة إلا لأجل إيقاعه في العسر بعدما كان في اليسر ، وهو متحقق ههنا ، فينبغي ألّا يصح ؛ فانتفى الدليل . قلت جوابا عن هذا : بأنه لم يكن هناك يسر من الشارع ، وإنما كانت البراءة للجهل بالمصالح ، فإذ قد تفضل الحكيم فكلف على حسب المصالح ، فلو نقل من اليسر الثابت منه ، بخلاف ما نحن فيه ؛ فإن اليسر كان من الشارع الحكيم . والحق في دفع الدليل وإبطاله . . الحل ، وذلك يكون بمنع الصغرى وعدم تسليمها ؛ إذ لا يبعد في النقل من الأخف إلى الأثقل ، فقد يكون الأثقل بعد الأخف أصلح للمكلف ، والحكيم يكلّف على حسب المصالح ؛ تفضلا منه علينا لا وجوبا ، كما يقول بذلك المعتزلة . وثانيا : قال اللّه تعالى : « يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ » ، وقال تعالى في آية أخرى : « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » ووجه الاستدلال بالآيتين : أن التكليف بالأثقل بعد الأخف غير مراد للّه - تعالى - ، -